هالة أبو شامة
شهدت السينما السعودية في الفترة الأخيرة زخمًا كبيرًا مقارنة بالسنوات الماضية، ذلك الزخم لم يكن فقط بفضل كثرة الإنتاجات وتتابعها، وإنما أيضًا للانتشار الواسع الذي حققته إقليميًا وعالميًا.
غزارة الإنتاجات
ويعد عام 2023، هو الأكثر حظًا من بين الأعوام المنصرمة، فخلاله شاركت العديد من الأعمال في كبرى المهرجانات والمحافل الدولية، بل وحاز بعضها جوائز، كما نجح فيلم «الهامور ح.ع» للمخرج عبدالإله القرشي، في الترشح لتمثيل السعودية في أوسكار 2024. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه كان أول عمل سعودي يُطرح بالسينمات المصرية، حيث نال إشادات واسعة عقب عرضه بداية هذا العام، وهو بهذه الخطوة كان قد حقق بالفعل إنجازًا حقيقيًا؛ فالجمهور المصري لم يعتد أن يشاهد أعمالاً عربية تتحدث بلهجات أخرى غير لهجته الأم.
بجانب ذلك، فإنه بخلاف الدورات السابقة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي، فإن دورته الثالثة التي انطلقت قبل أيام، لفتت الانتباه إلى الحضور القوى للسينما السعودية، التي تشارك بمجموعة مختارة من الأعمال التي تنوعت ما بين روائي طويل وقصير ووثائقي، من بينها «إلى ابني، نورة، هجّان، حوجن، ناقة، مندوب الليل»، وغيرها.
أعمال تستقي أحداثها من الواقع
رغم الانفتاح التدريجي الذي تعيشه السينما السعودية، والانتشار الكبير الذي يأمله صناعها، فإنها لم تسعَ وراء تقليد غيرها من الإنتاجات العربية أو العالمية ذات الشعبية لدى الجمهور بهدف تذليل عقبات رواجها، وإنما كانت حريصة كل الحرص على إبراز القضايا المحلية والاستعانة بمشاهد بصرية تعكس الطبيعة هناك.
من أكثر الأماكن التي تم توظيفها بقوة في الأعمال التي طُرحت مؤخرًا، هي الصحاري الشاسعة والوديان والجِمال، ويمكن أن نشاهد هذه العناصر مجتمعة من خلال “هجّان” للمخرج أبو بكر شوقي، والذي تدور أحداثه حول فارس جِمال يخوض مغامرة شيقة برفقة حيوانه في الصحراء للبقاء على قيد الحياة.
إضافة إلى الفيلم السابق، فإن فيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، والذي تتناول أحداثه قصة فتاة تتوه في صحراء الرياض بعد أن تجد نفسها طريدة لناقة حاقدة تعرض صغيرها للأذى.
إبراز مشقة الأبطال وإضفاء حس المغامرة على الأحداث، ربما كان هو الهدف الرئيسي وراء توظيف صناع السينما لهذه المشاهد، لكن في بعض الأعمال الأخرى فإن الغرض كان كشف العادات والتقاليد والآثار الفكرية والثقافية الناجمة من وراء استقرار بعض السكان في أماكن وقرى نائية تحيطها الصحراء.
هذا ما تم التأكيد عليه من خلال فيلم «نورة» للمخرج توفيق الزايدي، إذ دارت أحداثه في فترة التسعينيات حول فتاة تعيش في قرية نائية وجدت نفسها منغمسة في صراعات عقب وصول مدرس شاب إلى قريتها.
ونفس الشيء نجده في فيلم «إلى ابني» الذي قام ببطولته وإخراجه ظافر العابدين، حيث جسد ضمن أحداثه دور رجل يعود إلى قريته بعد غياب 12 عامًا، ليحدث في عائلته تغيرات لم تكن متوقعة، وتلك القرية ظهرت على الشاشة بمناظر وطبيعة خلابة تألفت من جبال أبها وسفوحها الواسعة.
كشف زيف الأفكار الخاطئة
كما دحضت السينما السعودية من خلال فيلمي «مندوب الليل» للمخرج علي الكلثمي، و«الهامور ح.ع»، الفكرة الراسخة في ذهن البعض بشأن أن جميع السعوديين هم أثرياء، فكلاهما على اختلاف أحداثهما أظهر التباين الموجود بالفعل بين طبقات المجتمع، فالعمل الأول دار عن عامل دليفري بالرياض يعيش محاولات يائسة لكسب المال، والثاني تناول قصة رجل أعمال استطاع من خلال النصب أن يصبح في طبقة اجتماعية أكثر ترفًا من طبقته المتوسطة الحال أو الفقيرة إن جاز التعبير.
وفي العملين لم يكتفِ صناعهما بالحديث عن تباين طبقات المجتمع، وإنما لم يغفلا أيضًا التطرق لتوضيح بعض السلبيات والإيجابيات، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يخلو منه أي مجتمع في العالم.
لذا، فإن الاتساق مع الواقع سواء بالصورة البصرية أو بالأحداث نفسها، هو ما يجعل الجمهور متعطشا بالتأكيد للمزيد من الأعمال التي تعكس الصورة الحقيقية للمجتمع السعودي، وهو ما سينعكس بالطبع على ازدهار الصناعة وتطورها للأفضل.
