وائل سعيد
تشير أحدث التقارير إلى أن حصيلة إيرادات السينما في دور العرض السعودي الآن، تخطت نسبة الـ 40% من إيرادات منطقة الشرق الأوسط، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء السعودية. ولا جدال في أن صناعة السينما تتنامى في المملكة السعودية عامًا بعد عام، وهو ما حفز عددًا كبيرًا من الأفلام، ومنها المصرية، للانطلاق بعروضها الأولى من بلد الحرمين. إنها الرحلة التي بدأت منذ إعلان “رؤية 2030” وإطلاق هيئة الترفيه، وعلى مدار سبع سنوات، خطت خطوات موسعة في مجال الميديا والسينما بالأخص، مكنتها من المشاركة في رسم خريطة جديدة لسوق العرض السينمائي العربي.
رغم قصر الرحلة، فإن مكاسبها المحققة على أرض الواقع لا تُخطئها العين، ربما تحققت الأهداف أكثر على المستوى “التقني”، لوفرة الإمكانيات المادية واللوجستية لصناعة كتلك، ولكن تقييم الأفلام هو الأهم في عالم السينما، ونحن بصدد سينما وليدة بعد مقاطعة دامت عقودًا ما يكسبها شرعية التجريب بحثًا عن أسلوبها الخاص. ربما لذلك تتمتع غالبية الأفلام المُنتجة حديثًا بجرأة تُحسب لها، سواء على مستوى الموضوعات أو فيما يخص الجانب الفني. لعل مهرجان البحر الأحمر السينمائي يقدم لنا مثالاً على ذلك باختياره الفيلم السعودي “حوجن” لافتتاح الدورة الثالثة التي انطلقت منذ أيام.
يتناول الفيلم عالم الإنس والجن مخترقًا منطقة الخدع الرقمية والجرافيكس – وهي مهمة صعبة في السينما العربية – رغم ذلك من المتوقع أن يحقق إيرادات مرتفعة؛ فقد اعتمد على أولى الطرق الضامنة للنجاح بسيناريو مأخوذ عن رواية بنفس الاسم حققت أعلى المبيعات داخل السعودية وخارجها، كما ترجمت لعدد من اللغات؛ بالتالي هناك ملايين من القراء يرغبون في رؤية روايتهم المفضلة مجسدة على الشاشة الكبيرة.
علاوة على مِنح الإنتاج التي يقدمها مهرجان البحر الأحمر، هناك برنامج مميز وخاص، لم تلتفت إليه الأضواء بما يستحق، ربما لأنه ليس عن المشاهير والنجوم، بل عن سينمائيين جدد من الشباب، يخطون خطواتهم الأولى بأفلام قصيرة جدًا كانت نتاج “تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة”. إنهم مجموعة من الأصوات المتباينة في العشرينيات من عمرهم، وقد يكون بينهم من يحتلون الساحة مستقبلاً، أو يتمكنون من خلق موجة جديدة في السينما السعودية، فهذه التجارب العفوية بمثابة برهان عن جيل تتوفر له المقومات التقنية للصناعة، وفي ذات الوقت لا يعدم روافد الثقافة السينمائية وهي أولى الخطوات الصحيحة لصناعة فيلم.
أحلام مفتوحة
يتضمن الفيلم عددًا من العناصر المنفردة، يستقر مفتاح تجميعها في يد المخرج الذي يشدها جنبًا إلى جنب كمجموعة ألجمة، لا بد أن تتحرك أحصنتها وفق انسجام تام بما يحقق الرؤية الموضوعة للسيناريو. ورغم أن الصناعة تتحكم بشكل كبير في الفن السابع؛ يبقى للعنصر البشري تميزه الخاص، الذي قد يظهر في مشهد عابر أو لقطة متأملة، وقد تجده أيضًا في شعاع ضوء مسلط من أحد كشافات الإضاءة، أو في قطعة ديكور واكسسوار، فضلاً عن تميز الأداء بمكانته الخاصة. ومع تفوق العنصر التقني والفني على الأداء كما هو ملحوظ، تذهب الإشادة أولاً إلى التصوير والإخراج والمونتاج، والسيناريو أو القصة في حالات نادرة.
من أكثر الأفلام المكتملة فنيًّا، “لعبة الحياة” للمخرج عبدالله الهجن، حيث يتضح مدى استيعاب المخرج لصناعة السينما، بداية من اختراق عالم الخيال لمتابعة أحد المحكوم عليهم بالسجن في جلسة خاصة مع مندوبة شركة علمية تخيره بين خوض تجربة جهاز جديد للخيال، أو الاستمرار في سجنه بقية حياته. أجاد المخرج في الكشف الجزئي عن شخصية البطل، التي تتضح خلال محاورته مع مندوبة الشركة التي تدعوه لتجربة الجهاز وحينها يتضح لنا جرمه.
عبر ذلك نتبين تميز الفيلم في عدد من العناصر؛ الديكور والاكسسوار، ثم الاستخدام البسيط للخدع السينمائية والجرافيكس. كما لم يفت المخرج أن يوجه تحية لأحد رواد سينما الخيال والفانتازيا الألماني “فريتز لانغ” بمغازلة مشهد شهير من رائعته “متروبوليس 1927”.
عن الخيال أيضًا يأتي فيلم “اعوجاج الزمن”، الذي يطرح فكرة إمكانية التخلي عن ذكرياتك المؤلمة تلك التي لا تريد تذكرها أبدًا. في العالم الرقمي بوسعك أن تفعلها عن طريق تطبيق يقوم بحذفها كما الملفات التالفة أو الصور غير المرغوب فيها.
ربما يذكرنا ذلك بالفيلم الأميركي “إشراقة أبدية لعقل نظيف”، إلا أن اعوجاج الزمن يشمل المعاناة ككل. في النهاية لا تقدم هذه الأفلام نهايات محددة، فالنهايات المفتوحة سمة رئيسية في غالبية أفلام الشباب؛ وبقراءتها نجد أنها تعبر عن أحلامهم بعيدة المدى؛ ولأنها تفوق بكثير المدة المقتضبة للفيلم جاءت معظم النهايات مفتوحة لتقول إن الفكرة لم تنتهِ والحلم ينتظرني على الناصية الأخرى.
هناك من الأفلام أيضًا ما اتجه صوب السينما التسجيلية على نحو لا يخلو من التجريب أو الرغبة فيه على أقل تقدير. يتتبع تركي القحطاني في فيلمه “صنع بسحرك”، رحلة النغمة ومقامات السلم الموسيقي، متخذًا من آلة العود منفذًا لذلك، وتعتبر الموسيقى المصاحبة من أميز ما جاء في الفيلم، حيث استخدم محمد مروان دراما مغايرة لطبقات آلة العود.
أما “تشويش” لمحمد كابلي، فهو من أكثر الأفلام تجريبيةً، بداية من التصوير واختيار زوايا وأحجام مختلفة ذات دلالات نفسية متباينة، ثم استدعائه لثيمة إحدى ألعاب الموت الشهيرة. وإذا كان المخرج اختار جهاز الراديو لسير حبكته، فالملاحظ تكرار هذا الجهاز العتيق في عدد كبير من الأفلام، ربما كانت رغبة دفينة في منطقة اللاوعي في البحث عن التراث والأصالة لدمجه بالمعاصر.
أفكار ورؤى
يبدو أن الصراع كُتب على الإنسان منذ بدء الخليقة. الصراع الأخوي، وتحديدًا صورة تسلط الأخ الأكبر من أشهر صراعات فترة المراهقة. يطرح فيلم “السراب” هذه الأزمة وهو من إخراج عيسى حافظ وطه قطان. على مدى ست دقائق نتابع “عليًا” الأخ الأصغر ومعاناته في مواجهة سلطة الأخ الأكبر، الذي يظهر بدون اسم، فهو مجرد نموذج عن كل، في حين يأتي البطل المعروف بـ”علي” ذلك الشهيد القديم يُبعث من جديد، حتى إن نوبات متكررة من الأحلام تسيطر على منامه يتحرر في أحدها من أي سطوة ويستيقظ ليجد نفسه داخل فندق كبير وفي لمح البصر تخلع من عليه ثيابه ويرتدي شورتًا متجهًا إلى حمام السباحة.
يلعب المخرجان بالزمن كمغزل؛ حلم يفضي إلى حلم أو ينبثق عنه، حتى إن الأخ في أحد المشاهد يوقظه وهم على طاولة الغداء. ينتهي الفيلم بطريقة تقليدية ويتصالح الطرفان، ربما ليفسح ذلك مكانًا لصراع من نوع آخر، مع النفس – كالعادة – أو كما تدعيه “روزان باوزير” بـ”الصوت الداخلي. اختارت المخرجة إيصال فكرتها في أربع دقائق من الصمت، نتابع فيها هواجس وتخوفات البطلة في رحلتها الحياتية، ثمة خيط داخلي مع النفس يجب البحث عنه، يتجسد ذلك في خيط صوفي طويل لا ينتهي إلى شيء، لكنه يبدأ من يد البطلة تغزله وتفك فيه انكسارًا تلو آخر، مستدعية طيف بينيلوبي من أوديسة هوميروس.
في فيلم “عزيز” يصل المخرج إلى أقصى درجات الصراع الذي يكاد يفضي إلى الانتحار، فالنهاية مفتوحة كما هي العادة، وليس هناك أمام تصاعد الأحداث سوى أربع دقائق “4:11” كما عنون المخرج ماجد التركي فيلمه. يبدأ الفيلم والكاميرا مسلطة على الساعة الثالثة إلا ثلثًا حتى تصل إلى الرابعة وإحدى عشرة ثانية، نتابع البطل “عزيزًا” في حالة صراع من نوع جديد. فبرغم ما يحمله اسمه من معنى، فإنه اقترف جريمة في حق – عزيز – لديه لا نتبين منه سوى تداعيات وهواجس عبر الفوتوغرافيا والمشاهد المسرحية لعزيز؛ وفيها يقوم بتجسيد المعاناة على طريقة الميلودراما الجسدية والتعبيرية. رغم ذلك، تميز الفيلم في عناصر أخرى مثل: المؤثرات الصوتية بجانب المونتاج، كما كان متناغمًا في لهاثه وتريثه مع الحالة الدرامية للبطل.
على الرغم من أن فيلم “المدار الأزرق” يكاد يخلو من القصة أو الحبكة في شكلها المعهود، فقد استطاع إثارة المشاهد من خلال مدخل للقصة دون حوار. السيناريو هنا بصري من الدرجة الأولى، ولا يكتفي الفيلم بمساحة الاستثارة عند حافة الحكاية فقط؛ بل يقدم فكرة جريئة ومشاهد أجرأ سواء في السينما السعودية أو العربية، عن فتاة في مقتبل العمر تفاجئها الدورة الشهرية لأول مرة في حياتها. يتأثر الفيلم كثيرًا بالموجة الفرنسية الجديدة والتقطيع الفوتوسينمائي في صورة أشبه بالكولاج الدرامي.
هناك مهرجان آخر تميز هذا العام، وهو مهرجان أفلام السعودية، الذي أصدر ضمن برنامج فعاليات دورته التاسعة، 17 كتابًا سينمائيًا تنوعت بين العربية والمترجمة، ولا شك أنها إضافة للمكتبة السينمائية العربية، ولذلك جولة أخرى.