سوليوود «متابعات»
حينما سأل الناقد سكيفرد كراكاور، حسب «النظرية الواقعية في السينما»، عن مهمة السينما، أجاب: «إن مهمتها حصر الوجود الفيزيائي، وسيولة الحياة أمام الكاميرا تولِّد صوراً مرئية لحركة اللغة السينمائية، الأساس بعفويتها الخطوية والمولدة بوسطها التعبيري الصوري زخماً درامياً، وبما أن كل وسط منحاز للأشياء التي يتفرد بإمكاناته لإيصالها؛ فإن السينما في تصورنا تحيا بالرغبة في تصوير الحياة المادية العابرة، الحياة في أكثر أشكالها زوالاً، حشود الشوارع، الإيماءات العفوية، والانطباعات السريعة»، حسبما أفاد موقع كيوبوست.
في آخر مشاركات الفيلم القصير «ارتداد» لمخرجه محمد الحمود، في مهرجان أفلام السعودية، كنت ذكرت حينها، وسط النقاشات المتعددة التي كانت تجري في أروقة المهرجان، أن فيلم «ارتداد» يكاد يكون أفضل أفلام المهرجان بقدر ما هو بعيد أيضاً عن الفوز بأيٍّ من جوائزه؛ لسبب بسيط: لقد كان الفيلم سينمائياً بدرجة فارقة عن غيره.
ولذا فقد كان الفوز الحقيقي هو قبول الفيلم في أهم مهرجانات الفيلم القصير في العالم والموازي لمهرجان كان للأفلام الطويلة؛ وهو مهرجان كليرمون فران، الذي يتلقى سنوياً آلاف الأفلام التي ترغب في المشاركة؛ لكنه يقتصر في النهاية على عدد محدود جداً يجعل من الفيلم فائزاً بطريقة ما، وهو الإنجاز الذي لم يحققه فيلم سعودي من قبل، إضافة إلى مشاركته في المهرجان العريق في إستونيا «بلاك نايت»، والمسابقة الدولية لمهرجان كيوبيك الكندي، ومهرجانات أخرى عالمية في أميركا وإيطاليا وبولندا وألمانيا وهولندا وجنوب إفريقيا والهند وإندونيسيا.
هذا الزخم الهائل من القبول والمشاركة يعبر عن الانطباع الرائع الذي أحدثه الفيلم في المجتمع السينمائي؛ وهو النتيجة المتوقعة لجهدٍ كبير وعناية فائقة قام بها المخرج، وكاتب النص ومنتج الفيلم، خلال الإعداد والتصوير، وسط صعوبات جادة تُحتم على فريق العمل التنقل لأكثر من ساعة وسط مناطق وعرة هي محل قصة الفيلم في «جازان/ السعودية»، مستعيناً بالمصور البارع التونسي أمين مسعدي، صاحب تجارب ناجحة؛ مثل مشاركته في تصوير فيلم «Timbuktu» الموريتاني، المرشح أوسكارياً كأفضل فيلم أجنبي، والفرنسي «What the Day Owes the Night»، وتصوير الفيلم التونسي «آخر واحد فينا» الفائز بجائزة أول فيلم في مهرجان فينيسيا، والفيلم السعودي، والذي أنتجه أيضًا محمد الحمود «آخر زيارة»، الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان مراكش.
يقول الناقد دوايت ماكدونالد، بعد أن أمضى أربعين سنة في قراءة وتحليل الأفلام ومراجعتها «بصفتي ناقداً بالفطرة، فإنني أعرف ما يعجبني وسبب إعجابي به؛ لكنني لا أستطيع شرح السبب إلا على أساس العمل المعين الذي يجري النظر فيه، لكن الناس، خصوصاً طلابي، يطلبون مني باستمرار القواعد والمبادئ والمعايير التي أستخدمها بالحكم على الفيلم»، ثم يذكر دوايت أنه في استجابة لهذه المطالب وضع عدة معايير؛ كان أهمها برأيي، وهو ما يشكل جزءاً كبيراً من حكمي شخصياً تجاه الأفلام، هو «هل يوجد عقل خلف الفيلم؟ هل هناك شعور بأن ذهناً مفرداً قد فرض رؤيته الخاصة على الفيلم؟».
ومن هنا كان مصدر إعجابي بالفيلم ورغبتي بالحديث عنه كانموذج جيد للفيلم السينمائي القصير، القصة تبدو في غاية البساطة، وهي أشبه بتشريح الحالة الإنسانية والمفارقات الإنثربولوجية الاجتماعية، وليست قصة ذات سردية تتابعية تعتمد الإثارة والترقب مثلاً؛ فهي عبارة عن زوجَين حديثَين في رحلةٍ خاطفة لزيارة أهل الزوج في إحدى القرى، مما يخلق جواً من التوتر لدى الزوج والزوجة معاً؛ الزوجة تقوم بدورها الممثلة فاطمة البنوي، والتي شاركت في عدة أفلام؛ منها «بركة يقابل بركة» لمحمود الصباغ، المشارك في مهرجان برلين، و«رولم»، وغيرهما من الأفلام القصيرة؛ وهو اختيار رائع، إضافة إلى موهبة فاطمة ومظهرها، فإنها تعبر وبشكل كبير عما يُسمى «فتاة المدينة»، وتحاول بجهد إعطاء الانطباع المناسب لأهل الزوج؛ سواء من طريقة لبسها أو تغطية شعرها القصير بباروكة، ومن ثمَّ أيضًا مشاركتها بإحدى رقصات الأهالي التقليدية، كان الوضع مشتبكاً لديها ما بين شعور الانبهار أو الدهشة من طبيعة المكان والمجتمع وأهله، وبين شعور قلق الإخفاق وتقديم صورة ربما منتظرة عن فتاة المدينة المدللة التي لا تحسن شيئاً، وتبدو كم سرق أحد شباب القرية على حين غفلة، الزوج (ويقوم بدوره في أول أعماله أيمن مطهر، قبل أن يصبح الآن ممثلاً في أحد أهم مسلسلات الدراما السعودية «رشاش»)؛ فهو لا يقل قلقاً عنها، ويبدو مشوشاً تجاه الطريقة المثلى للتصرف، وتأكيد حسن قراره بهذا الاختيار، بينما ينازعه شيء من الاعتزاز بهوية هذا المجتمع الذي أخرجه للحياة، وصنع له النجاح الذي حققه بعيداً عن مسقط رأسه.
إنها الإشكالية المعتادة ما بين اختلاف المدينة والريف، والتي من المفترض وبصورةٍ مثالية ألا تصنع اختلافاً ذا بال أمام جوهر الإنسان ذاته، الفيلم لم يذهب بنا في النهاية نحو تكوين فكرة ما ولو بشكل تحيزي، ولم ينتصر لشيء على حساب شيء آخر؛ لكنه نجح في كسر التصورات المسبقة في مثل هذه الحالات، فالأهل يتعاملون بلطف مبالغ وتقدير كبير لزوجة الابن ويعطونها الشعور بأن المنتظر منها هو أن تكون ابنة هذا الريف، ولو لهذا اليوم فقط.. وبعد 16 دقيقة، هي مدة الفيلم، سيتركنا في ما يبدو أمام حقيقة واحدة؛ وهي أن الإنسان بذاته هو مَن يصبغ مشاعره المختارة تجاه الأشياء حوله.. أُخمن أن هذا هو «الارتداد» الذي يطرحه الفيلم.