أحمد الملا
ربما هي المصادفة البحتة، أن يفوز فيلم “سيدة البحر” للمخرجة السعودية شهد أمين، بجائزة في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 76 قبل أيام، الى جانب ترشح فيلم المخرجة السعودية هيفاء المنصور “المرشحة المثالية” في المسابقة الرسمية بنفس المهرجان الذي يعتبر أعرق مهرجان سينمائي في العالم إن لم يكن الأهم.، تلك المصادفة التي رافقت قرارات ذات علاقة عميقة، وهي قرار السماح بالسينما السعودية نهاية عام 2017 ، وقرار تشكيل وزارة الثقافة 2019م.
فمنذ صدور القرارين والأضواء مسلطة على المشهد الثقافي السعودي، من شتى أنحاء العالم، سواء من شركات التوزيع العالمية، التي انفتحت أمامها أكبر أسواق الشرق الأوسط، أو شركات الإنتاج التي تلقت إشارات واعدة بالدعم وتشجيع الاستثمار، كما لقي صناع الأفلام السعوديين العاملين في المجال مزيداً من الاهتمام وارتفع منسوب الأمل والحلم لديهم إلى أشده.
في إطلالة سريعة على محاولات فردية مستمرة من سبعينيات القرن الماضي، في صناعة أفلام سينمائية مستقلة ومعتمدة على اجتهادات ذاتية، بدءاً من المخرج عبدالله المحيسن (اغتيال مدينة 1975) ومروراً بموجة الأفلام القصيرة للمخرجين الشباب (بعد عام 2000) والتي شاركت في المهرجانات العربية والدولية، وفي نافذة محلية واحدة عبر مهرجان أفلام السعودية (2008-2019) في خمس دورات غير متصلة، يمكن لنا أن نتخيل مدى العناء والتعب الذين لازما صناع الأفلام من غياب العمل المؤسسي لصناعة الأفلام، كما يمكن للمخيلة أن ترسم في نفس الوقت نهاية سعيدة للمتاعب السابقة مع بداية سعيدة محفوفة بتحديات مختلفة لمشروع قادم يمكن تسميته السينما السعودية.
يستمد هذا القطاع قوته من ركيزتين أساسيتين، التنوع الثقافي والجغرافي بشكل أفقي، وعمق الإرث القصصي والسردي بشكل عامودي، تسندهما رؤية عامة تضع الثقافة والفن لأول مرة في طليعة الموجة السعودية الحديثة. رؤية جوهرها الاستثمار في المبدعين وتمكينهم وتطوير قدراتهم عبر التحصيل المعرفي من خلال التبادل الثقافي مع الخبرات العلمية وكذلك الدعم الإنتاجي وخلق منصات تعليمية وطنية.
قطاع السينما ينطلق من أرض بيضاء، عبرتها محاولات واجتهادات فردية رائدة، وعليه من الضرورة أن يتم العمل على إنشاء وتنظيم وخلق القوانين والمبادرات وإدارتها بشكل علمي لتكون محركا نحو صناعة سينمائية منتظمة وخلاقة، من شأنها الوصول إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس يضعها القطاع أمام نصب عينيه مثل: حصة الفيلم السعودي في دور العرض التجاري المحلية والعربية والعالمية، مع حضوره في المهرجانات والمحافل السينمائية سواء بشكل مؤسساتي أو فردي، كذلك رفع الإنتاج إلى أهداف واضحة كل 5 سنوات.
يحتاج هذا القطاع ـ مثل سائر القطاعات المنتجة ـ الى بنى تأسيسية على مستوى الأنظمة والقوانين كما على مستوى البنية التحتية الحاضنة (استديوهات، أكاديميات، مقرات عرض فنية وتجارية) مع التخطيط المستقبلي والدعم والتمويل المنتظم والمقنن، وكذلك الانفتاح على الشراكات الدولية والمحلية، وأعني هنا الاستثمار مع القطاع الخاص المحلي والذي سيجد فرصته التجارية والتسويقية في أهم منصة معاصرة.
نادراً ما تتوفر كل العناصر المواتية لنشوء قطاع السينما في بلد واحد، ويمكنني القول بأن المعطيات السعودية كالتنوع الثقافي، الجغرافي، الكنز التراثي، الإرث القصصي والأسطوري البكر وغير المكرر، القوة التمويلية المتاحة، الى جانب الرؤية الجادة نحو أهمية المعطى الثقافي والفني والمقدرة على اتخاذ قرار الانتاج، كل هذا يشكل الجسم الرئيس لصناعة السينما في أحدث أشكالها، ويعزز هذا كله الطاقة البشرية المبدعة والتي توفرت في شبابنا وصقلها عناء تجربة مضت.
ربما وصولنا متأخرين سينمائيا، يمنحنا فرصة تفادي أخطاء الآخرين والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة مثل التجربة الفرنسية من ناحية الدعم و”الكوتا” في العرض، والتجربة الكورية من ناحية الإنتاج. كما يمكن تكوين عدد من المختبرات التطويرية للمنتج السينمائي قبل تنفيذه، ودعم المبادرات الفردية والمؤسسات السعودية الناشئة، وإنشاء الصناديق التمويلية المنتظمة، مع تخطيط البرامج بالتركيز على المعنى التراكمي وقياس الأثر.
على حد علمي فإن مشهدنا الثقافي يفتقد الى العاملين المختصين في الإدارة الثقافية، وهو أمر يسهل التنبه له وجدير بمبادرة النقص فيه عبر الابتعاث والتدريب قبل وأثناء العمل، أما الشكوى الدائمة في سائر الفنون وليس السينما فقط، فهو غياب التفرغ الفني، وانتفاء المهنة الثقافية كوظيفة منتظمة في الجهاز الرسمي. أما السمة الحاسمة في مختلف الفنون فهي مستوى حرية التعبير التي يتمثلها المبدع، ويمكن أن نطلق عليها نطاق الإنتاج المطمئن له وهي المسافة التي يقدرها الفنان ويحترمها المسؤول على حد سواء.
ربما انتبه العالم الى السينما السعودية عبر أفلام شاركت في المهرجانات، بقدر الانتباه للقرارات التاريخية في الثقافة والفنون السعودية، خاصة السينما، لكن المتابع يعلم أن هناك أكثر من عشرة أفلام طويلة أنتجت خلال العام، ومئات الأفلام القصيرة، سابقة إطلاق هيئة السينما السعودية، إضافة الى طاقات إبداعية متوثبة انطلقت وها هي تقفز الحواجز.
المصدر: عالم نور

