غادة السمان
أشعر أحيانا بالندم لأن أطروحتي الجامعية كانت عن «مسرح اللامعقول» لأمثال بيكيت ويونيسكو وجان جينيه وسواهم بدلا من أن تدور حول التي ترسم أحيانا صورة قبيحة للمسلم يمكن إدخالها ببساطة تحت عنوان «سينما اللامعقول»؛ فيما كل مسلم إرهابي أو خاطف نساء للبيع، ففي العديد من الأفلام الأمريكية الناجحة فنيا صورة (مروعة) للمسلم وبالذات في نظرته إلى المرأة كسلعة وكجارية.
في أحد أفلام (جيمس بوند) الشهيرة مثلا نرى (شرير الفيلم) ينتقم من حبيبته الخائنة فيسلمها إلى «تاجر الجواري» في بلد عربي مسلم ليبيعها كجارية ـ ومشهد البيع نفسه مُذِلٌ لكل أنثى. جيمس بوند (البطل) الغربي ينقذها من (الهمجية) الإسلامية والمزاد العلني لبيعها عارية! وأفلام كهذه ترسم صورة مزورة للمسلم، لكنها تسهل رغبة إسرائيل في اقتحام المسجد الأقصى وتحويله إلى هيكل يهودي كما يزعمون اليوم أنه كان من قبل!
مُخَتَطفات غربيات للبيع للمسلم في باريس!
ها هو مثلا فيلم هوليوودي من بطولة ليام نيسون تذهب ابنته (17 سنة) في رحلة سياحية مع رفيقتها إلى باريس. وتختطفهما عصابة من مسلمي أوروبا الشرقية، ولكن الأب الذي كان يعمل في المخابرات الأمريكية يطير إلى باريس وينقذ ابنته من براثن شيخ ثري عربي مسلم في مركبه الفاخر الذي يمخر بغرفة نومه على نهر السين إلى حيث اقتادوها بعد حقنها بالمخدرات وباعوها له!
الأفلام لا تحصى حول الحكاية ذاتها بأحداث مختلفة، كحكاية بطل غربي في الملاكمة يذهب إلى بلد أوروبي مسلم برفقة أسرته ليحظى بالبطولة في الملاكمة ويتم اختطاف ابنته المراهقة الجميلة لبيعها إلى الأثرياء المسلمين الذين يحبونهن شقراوات وصغيرات، ولكن البطل الغربي مثل دوره النجم «جان كلود فان دام» ينقذها بمعونة والدها بطل الملاكمة.
إسرائيل تصفق وتحصد!
هذه الأفلام المغامراتية الجذابة جدا للمتفرج تصب في مصلحة إسرائيل في بحر من (الجهل!) الإسلامي (الافتراضي) المحتقر للقيم الإنسانية كما تزعم هذه الأفلام وصورة المسلم المتعامل مع النساء كسبايا وبضاعة صالحة للبيع تبدو لي وللكثيرين ظالمة وغير مقبولة. ولذا يسرني دائما أن أشاهد أحد الأفلام النادرة التي ترسم المسلم بعدالة، بل وأعيد مشاهدتها كما حدث ليلة البارحة حيت أعدت مشاهدة فيلم «روبن هود» بطولة النجم الهوليوودي كيفن كوستنر. في الفيلم تدور الأحداث في زمن الحروب الصليبية، والمشهد الأول في الفيلم لا يبشر بفيلم ينصف المسلم، حيث يتم قطع يد مسلم جائع سارق يتعالى صراخه ثم يأتي دور مسلم آخر اسمه آزيم، ولكن السجين الآخر ابن النبلاء (الصليبي) المسيحي روبن هود يقاتل الحارس وينقذ المسلم آزيم (عظيم؟) ويهربان من السجن.
العودة إلى إنكلترا مع (الهمجي)!
آزيم ببشرته السوداء يلازم روبن هود قائلا إنه كمسلم مدين بحياته له ولن يحرره من هذا الدين إلا إنقاذه لحياة روبن.
وفي الفيلم نجد طاغية يريد الحكم بدل الملك ريتشارد قلب الأسد، ويريد الدخول إلى حلقة النبلاء بزواجه الإرغامي من ابنة عم الملك.. يقاتله حبيبها روبن هود بمعونة آزيم.
والحكاية ليست موضوع اهتمامي، بل شخصية المسلم آزيم. وأتجاوز الأحداث الجذابة في الفيلم للتركيز عن شخصية المسلم التي اتضحت بعدما صار روبن هود زعيما للسارقين فقراء الوطن. نصح المسلم روبن بتعليم الفقراء فن القتال قبل أن يزج بهم في حرب. وحسنا فعل، أي (لدى المسلم الحكمة).
«المسلم» ينقذ حياة امرأة وطفلها
حين تحتفل عصابة الأرستقراطي روبن هود، تشرب الخمرة، لكن المسلم آزيم يرفض شربها ويسمونه «السوفاج» أي «المتوحش». روبن هود يقول لهم: إنه ليس أكثر توحشا منا!..
المسلم آزيم يظل معزولا إنسانيا حتى تتعسر ولادة زوجة أحد زعماء المتمردين ويرشحه روبن هود لمساعدتها بعدما اكتشف رقيه الحضاري حتى في حقول العلم، وهو ما يفعله «آزيم» وينجح في توليدها وحمل الطفل الصغير معافى، وهنا يعرف الجميع قيمة «المسلم» ومعارفه العلمية، كما أذهلهم قبلها باختراع العدسة المكبرة (المنظار). الفيلم يسجل مدى التطور الحضاري الإسلامي في ميدان العلم يومئذ، أما اليوم فنحن نستورد للأسف الاختراعات العلمية من الغرب.
صورة المسلم العربي الجميل
في نهاية الفيلم، ينقذ «آزيم» صديقه الأرستقراطي روبن هود من الموت المحتوم ويقـــــول له: الآن وفيت بديني لك وسأعود إلى وطني. ويتصادف يومها عودة الملك ريتشارد قلب الأسد (يمثل دوره «شون كونري») وحين يدخل لحظة عودته إلى حفل زواج روبن هود مع ابنة عمه، يركع الجميع احتراما للملك باستثناء «آزيم» الذي ظل واقفا وسط حشد من الراكعين، فالمسلم لا يركع لغير الله.
أتساءل: أين السينما العربية من هذه الأفلام الجذابة العاطفية (المغامراتية) التي تجتذب الجماهير، ومن قال إن السينما العربية لا تستطيع تمثيل الإسلام إلا باللحى الاصطناعية والمشاهد المملة والحكايات الثرثارة التي تساعد على النوم؟! وذلك بدلا عن لغة الأحداث المشوقة؟
المسلم حليف العدالة لا المال
لندرة الأفلام الهوليوودية التي ترسم صورة جميلة عادلة للمسلم، أظل أتذكرها حتى بعد مشاهدتي لها بأعوام! منها مثلا فيلم جذاب يريد فيه الزوج «مايكل دوغلاس» قتل زوجته غوينث بالترو الخائنة له، فيعطي المال لعشيقها الرسام الخائن لها ليقوم بقتلها. تدافع عن نفسها وتنجو. وكل ما تقدم لا يهمنا، بل المهم شخصية المحقق الأمريكي المسلم من أصل مصري الذي ينحاز لعدالة (الزوجة)، وقلما نرى مثلها في السينما العربية ضمن إطار فني جذاب جماهيري. ترى هل تلتفت السينما العربية إلى هذا الحقل؟

