سيد محمود سلام
تظل المعرفة بالأشياء غير مكتملة للآخرين إذ لم تقدم لهم تفسيرات عنها، هذه عبارة كانت تفرض نفسها فى أثناء مشاهداتى لأفلام مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، والتى نقلت فى معظمها الواقع المحلى الإفريقى بشىء من العمق حيث معظمنا لا يعرف مفردات الحياة الإفريقية فى بلاد مثل غانا والتى عرض لها المهرجان ضمن أفلام المسابقة الروائية الطويلة فيلم ” دفن كوجو” وحصل على جائزة النيل الكبرى لأحسن فيلم روائى طويل، للمخرج صامويل بازاويل، ووصفته لجنة التحكيم بأنه عمل شاعرى، عالج بصدق حالة الإحساس بالذنب، حيث قدم “دفن كوجو” صورا قاسية من خلال “إيسي” التى تستعيد ذكريات طفولتها والعلاقة المضطربة بين أبيها كوجو وعمها كوابينا. بعد اختفاء كوجو في رحلة تعدين غير قانونية مع كوابينا، تبدأ إيسي مغامرة سحرية لإنقاذ والدها لتكتشف أن عمها غدر به وألقاه فى بئر للتخلص منه ..
المشكلة ليست فى صعوبة المفردات، ولا الصور القاسية التى قدمها الفيلم، ولكن فى هل يمكن أن يتفاعل الجمهور العادى مع السينما الإفريقية، أم ستظل هناك قطيعة، بسبب حاجز اللغة واللهجة كما هو الحال بالنسبة لأفلام دول شمال إفريقيا، المغرب وتونس والجزائر وليبيا، وأنها مرفوضة فى دور العرض المصرية والعربية، لصعوبة فهم اللهجة ..
فى محاضرة ” ماستر كلاس” للناقد الفرنسى أوليفيه بارليه، أقيمت على هامش المهرجان، كشف فيها الكثيرعن الاختلافات بين المتلقيين، وعن الصعوبات التى تواجه المشاهدين فى فهم الأفلام، واتخذ من فيلم ” دفن كوجو” مثالا عمليا طبق عليه محاضرته التى أدارها الناقد أحمد شوقى، وقال هو فى مجمل كلامه إنه ليس من المقبول أن نقول أن هذا فيلم جيد وآخر سيىء ..فقد تكون رؤيتك قاصرة لفهم مفردات الفيلم، لأنه تناول بيئة محلية جدا، وحتى وإن لجأت للتأويل بأن ترى فى مشهد تصوير الصورة المقلوبة كأن تكون السماء أسفل والأرض أعلى هو رمزية لرقصة إفريقية شهيرة يقدمها الشباب بالرقص على رؤوسهم ..وهنا قد يكون التأويل ذاتيا للناقد ..وليس هو ما يقصده المخرج .
فهمنا للسينما الإفريقية قد يكون صعبا بعض الشىء، لكننا بحاجة إليها، فهى تنقل إلينا مفردات وثقافات دول أخرى هجرناها مجبرين خلال سنوات طويلة، وما يتحقق من خلال مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، هو فتح أفق أوسع للنقاد وللجمهور والإعلاميين للتعرف على ثقافات هذه الدول والتعامل معها ومع السينما التى تنتجها، فقد تكون لدينا نوافذ فى المستقبل لعرض أفلام إفريقية كما تفعل حاليا ماريان خورى من خلال نافذتها ” زاوية” والتى تعرض فيها أعمالا غير تجارية، وأفلاما بلغات ولهجات مختلفة، وهى مفيدة للنقاد والإعلاميين والجمهور ..فليس كل ناقد لديه القدرة على مشاهدة كل سينمات العالم، لكن يمكن أن يتعرف عليها من خلال المهرجانات التى تنقلها له ..
السينما الإفريقية تنتج آلاف الأفلام منها ما يرقى للمنافسات فى المهرجانات العالمية، ومنها ما يعرض محليا، ولكن للأسف تظل الصورة محصورة لدى المشاهدين عند بعض الأعمال التى تقدم عنهم من خلال السينما الهوليودية، وهى بالطبع لا ترقى لنقل الواقع، لأنها برؤى خاصة لمن كتبوها، وإن تعمقنا فى نقل الأعمال الإفريقية التى تحاكى الواقع هناك لعرفنا الكثير، ولأقبل المشاهد على أفلام مثل “دفن كوجو” وهو عمل رائع به نفس المفردات التى نعرفها من التراث والأديان عن قتل قابيل لهابيل أول ابنى لآدم عليه السلام، وذكرا فى العهد القديم والقرآن، وفى الفيلم قدم مفردات أخرى كالحمام والغربان ، وهنا تكاد تقترب الصور لتؤكد أن السينما وسيط بين ثقافات العالم .
المصدر: صحيفة الأهرام المصرية

