علي الحازمي
فكرت أن أجعل عنوان هذه المقالة فتنة الترفيه لا نعمة الترفيه، وأن أتحدث ذلك الحديث الذي يرضي طائفة من الناس، طائفة نكدية مكتئبة حزينة، يهمها إشاعة النكد والاكتئاب، وأن أسوق أدلة تتحدث عن مسخ وخسف وقذف ونسف أناس كلما طربوا وغنوا وابتهجوا، هذه الطائفة لا تزال موجودة، ربما لم يكن أحد منا ذات يوم إلا وكان منهم، أو معظمنا على الأقل، من تخرج على يد جيل الصحوة.
جيل تشغله هواجس هذه الأمة من محيطها إلى خليجها، جيل يريد أن يجعل حياة كل منا من الميلاد إلى الوفاة مربوطة بحياة أناس آخرين لا نعرفهم ولا يعرفوننا ولا يربط بيننا وبينهم وطن ولا لغة ولا عرق، يعيشون حياتهم بالطول والعرض لا يبالون بنا ولا بمشاكلنا وهمومنا ولا بمشاكل غيرهم، ومع ذلك قضينا سنوات وعقود وحياتنا مربوطة بأولئك ومرهونة بمصير أولئك، نعيش حياة مؤجلة لا نفرح ولا نضحك ولا نبتهج ونسعد.. ونقيم ونصنع ما يجعلنا أناسا طبيعيين مثل باقي البشر، الذين حتى وهم في أحلك الظروف والصعاب يبتهجون ويضحكون.. كلما فكر أحد ما أن يضحك ويبتهج ويضحك من حوله خرج له النكديون من كل حدب وصوب، يحذرون ويحذرون من غضب إلهي كلما نظم مهرجان وحفل غنائي وأقيمت ندوة أو أمسية، متباكين على ما أصاب قوم ما في بلد ما من حرب ومشاكل.. متسائلين أو تنظمون مهرجانا والبلد الفلاني ينزف دما؟ أو ما ترون ما يجرى لإخوانكم في بلد ما.. فتعطلت الحياة وصارت لا تطاق البتة؟
لقد كنا كذلك حتى خرج إلينا قرار إنشاء هيئة ترفيه بمرسوم ملكي.. كان قرارا جريئا وغير مسبوق، لم نكن نعتاد عليه وعلى مثل هذه القرارات الشجاعة فكنا في البداية غير مصدقين أو مدركين حقيقة مثل هذا القرار !!
واليوم بعد أكثر من سنتين من هذا القرار الجريء نتفاجأ بأن ذلك المجتمع الذي تم تصويره على أنه مجتمع مكتئب وحزين لا يضحك ولا يبتهج، نجده شغوفا حد الجنون بالمهرجانات والحفلات والأمسيات، يفرح، ينشد، يطرب، يغني، يحتفل، يتسابق، يسافر من أجل أن يحضر مهرجانا أو حفلا غنائيا، يشتري كل تذاكر الحفلات في وقت قياسي..لا يترك مكانا خاليا وشاغرا.. رجالا ونساء صغارا وكبارا، ضاربا بكل المخاوف والهواجس عرض الحائط أو من توقع لها الفشل بحجة أن مجتمعنا لا يحب الفرح والابتهاج.
واليوم نتفاجأ بحجم قرارات كبيرة كفتح صالات سينما في قرارات لا يجرؤ عليها إلا القلة من الناس، في سابقة ستوفر على الأجيال أوقاتا ثمينة من العمر كانت ستصرفها في إثبات حكم الغناء والسينما وكل وسائل الترفيه والسعادة من حرمة أو حلال.
ومع هذا تفرغ النكديون لهوايتهم المعتادة في الترصد لهذه الأنشطة، فكلما أقيم مهرجان أو نشاط من أنشطة الهيئة خرجوا بتعليقات مريعة ومفزعة عن قرب خسف ومسخ وقذف وجفاف وقحط، موعزين سبب تأخر نزول المطر لأنشطة الهيئة، ولكن والحمد لله تخيب ظنونهم، وها هو فنان العرب يجوب الوطن من طوله إلى عرضه، والمهرجانات والحفلات تنفذ وتقام في موعدها غير مبالية بتلك الدعوات والتوقعات المريضة وغير السوية.
إننا بشر ومن حقنا أن نفرح ونغني ونبتهج ونتشارك الفرح والسعادة مع كل البشر، وشكرا لملكينا وولي عهده على كل ما يقومون به.. بحجم كل الفرحة والبهجة التي صنعوها وخلقوها على محيا هذا الوطن وأبناء وبنات هذا الوطن.
المصدر: الوطن أونلاين