سوليوود (قراءة خاصة)
الإرهابيون لا يشاهدون السينما.. إنهم في الواقع يحاربونها ويحاربون الفن بكافة صوره، وهذا من واقع معتقداتهم المعلنة. إذن، فالسينما مهمتها هنا ليست المواجهة المباشرة مع الإرهاب، ولا حمل السلاح ومحاربته على الأرض كما تفعل الجيوش، وبالتالي يجب أن تسير خطوات السينما، جنبًا إلى جنب، مع خطوات الجيوش النظامية، ولكن على طريقة القوة الناعمة، فالمهمة هنا مجدية جدًا، ولكن على المدى البعيد، فالسينما تساهم في صنع الفكرة في رأس المشاهد.. إذن، هي تواجه فكر الإرهاب من المنبع وقبل أن يتبلور، وبالتالي هي مهمتها القضاء على “مشروع الإرهابي” نفسه.
متى انتبهت السينما لقضية الإرهاب؟
بدأت السينما المصرية بقضية التصدي للفكر الإرهابي عام 1989، بفيلم “الإرهاب” للمخرج نادر جلال، والكاتبة حسن شاه. العمل لم يكن نمطيًا إلى حد بعيد، حيث إن الصحفية التي أدت دورها نادية الجندي، كانت تشعر بأن الإرهابي بريء وتساعده وتتعاطف معه قبل أن تكتشف خدعته وتنقذ الطائرة قبيل تفجيرها. كان لافتًا أن الفيلم يتعامل مع الإرهابي بشكل غير تقليدي فهو إنسان عادي، وليس ذا وجه متجهم ويقوم بتكفير كل من يراه، وبالتالي يمكنه خداع من حوله. وهنا نقطة أساسية، يتصادف حدوثها كثيرًا، فالإرهابي قد يكون قريبًا جدًا ولا أحد ينتبه له. ما يعيب الفيلم، هو أنه لم يعرض لخلفية نشأة المجرم، ولا دوافعه، وظروف تربيته، وتعليمه بشكل مفصل.
استمر هذا النهج – أيضًا – مع المخرج سعيد مرزوق في فيلم “انفجار”، فالمجرم يقوم بعمليات إرهابية ويوقع الضحايا دون أن نعلم هدفًا واضحًا له، ولا من يموِّله، ولم يكن هناك تعمق في طريقة دحض أفكاره.
أعمال جادة تناقش قضية الإرهاب بعمق
بدأت السينما تعرف نوعًا آخر من سينما الإرهاب أكثر معايشة للواقع، مثلاً: قدّم المخرج عبداللطيف زكي عام 1990 فيلم “الخطر”، حيث البطلة تنضم إلى جماعة تقوم بأعمال عنف بعدما يقع عليها ظلم كبير، فتحاول الانتقام وتصبح إرهابية بالصدفة! وهي الفكرة التي قُدّمت بطريقة أكثر حرفية فيما بعد، حينما دخل الكاتب وحيد حامد إلى ساحة مكافحة الإرهاب على طريقة السينما، حيث تعتبر قضية التصدي للجماعات الإرهابية من القضايا التي تشغل بال المؤلف المصري الشهير، وقد قدّمها تليفزيونيًا – أيضًا – في عدة أعمال كما في السينما. ورغم أن فيلمه الكوميدي مع شريف عرفة “الإرهاب والكباب”، يبدو للوهلة الأولى عملاً بعيدًا عن القضية بشكلها المباشر، ولكنه يناقش بعدًا مهمًا لها، وهو أن الإرهابيين قد يكونون هكذا بالصدفة دون رغبة منهم حينما يقعون تحت ضغط أو ظلم ما. كما يعتبر فيلمه “طيور الظلام” من أكثر الأفلام شعبية، الذي تصدى لتلك الظاهرة بطريقة تبدو فعالة، ولكنها تظل نوعية وفردية تنبع من موهبته وثقافته.
بعد ذلك بسنوات طويلة، قدّم وحيد حامد، عملاً مهمًا أيضًا عن الإرهابي الذي يعيش في المجتمع بشكل شبه مستتر، والمجتمع يتواطأ معه في “دم الغزال”. كما أن تجنيد الشباب للانضمام إلى الجماعات الإرهابية، محور أساسي في فيلمه “عمارة يعقوبيان”، حيث أخذ وحيد حامد – بالفعل – تلك القضية على عاتقه، وبقيت دومًا خطًا أساسيًا في أغلب أعماله، إذ يبتعد فيما يكتبه عن الخطابية والمباشرة التي تجعل تلك النوعية من الأفلام تبدو مزيفة ومصطنعة.
ويعتر فيلم “الإرهابي” الذي قام ببطولته عادل إمام، للمؤلف لينين الرملي، والمخرج نادر جلال، من أكثر الأعمال شهرة، خصوصًا في تلك الفترة “التسعينيات”، فالإرهابي في الفيلم يصاب في أثناء تنفيذ العملية، فتتكفل به أسرة منفتحة وغير “صالحة” – في رأيه – دون أن تعرف هويته، وتدريجيًا يتمُّ التعايش إنسانيًا بين الشخص وباقي أفراد العائلة. يمكن أن ندرك تأثير الفيلم حينما نجد أنه كان يرصد طريقة تفكير تلك الجماعات التكفيرية ويفككها من الداخل. وكانت قوات الأمن المصري تحرس دور السينما التي تعرضه خوفًا من أي هجوم إرهابي محتمل!
فقد لعبت أفلام تمتعت بشعبية واسعة، مثل: فيلم شريف عرفة “الإرهاب والكباب” عام 1992، و”الإرهابي” لنادر جلال عام 1994، دورًا مركزيًا في لفت النظر إلى موضوعات الإرهاب والتطرف الديني والتهميش الاجتماعي(1).
وقدّم فيلم “الناجون من النار” عام 1996، قراءة أخرى لأفكار المتطرفين، والفيلم كان يدين بشدة تلك الجماعات ويقدّم ما يشبه فضحًا لأعمالها، ومن شدة قوته لم يعرض سينمائيًا ولا مرة، وبدأ عرضه بعد عشر سنوات من إنتاجه عبر شاشة تليفزيون روتانا”2″.
مراحل تطور “سينما مواجهة الإرهاب”
المحاولات لم تتوقف، وكان أكثرها عمقًا وأهمية تلك التي تصدت للقضية عن طريق تفكيك الأفكار ومناقشتها بالحجة، وأبرزها فيلما: “المصير عام 1997، والآخر عام 1999” للمخرج الراحل يوسف شاهين، في الأول كان يعيد التاريخ إلى عصر ابن رشد في توليفة سينمائية يمكن إسقاطها على الواقع بسهولة، ولاقت التجربة إشادة نقدية كبيرة. وفي الثاني عرض بشكل أكثر عصرية لكيفية تجنيد الشباب في الجماعات، وكيفية استخدام التقنية في تنفيذ العمليات التفجيرية. وفي التسعينيات – أيضًا – التي تعتبر الفترة الأكثر إنتاجًا فيما يتعلق بسينما مواجهة الإرهاب، قدّمت نادية الجندي فيلم “أمن دولة”. ولكن تبقى نوعية أفلام وحيد حامد ويوسف شاهين، هي الأهم والأقوى في محاربة الفكر الإرهابي، التي يفتقدها المشهد السينمائي كثيرًا، حيث إن أغلب المحاولات تبدو متشابهة وتقدّم صورة نمطية للعناصر، وبالتالي لا تؤثر كثيرًا في المتلقي، باستثناء فيلم “مولانا” الذي عرض قبل عام، وقام ببطولته عمرو سعد، وأخرجه مجدي أحمد علي.
هناك محاولة أخرى قدّمها خالد يوسف، تلميذ يوسف شاهين، في فيلم “حين ميسرة” عام 2007، ولكنها جاءت بعد اختفاء دام ما يقرب من عشر سنوات لما يسمى سينما الإرهاب، وبعد صمت طويل عادت، مؤخرًا، أفلام تلك الموجة، ومنها “الجزيرة، 2، وجواب اعتقال، والخلية”. وهناك محاولات كوميدية – أيضًا – مثل: “القرموطي في أرض النار، ودعدوش”، وأغلبها كانت تجارية ومصنوعة على عجل.
عربيًا، سوف نجد أن أزمة الإرهاب باتت – أيضًا – تفرض ظلالها في أفلام مهمة مثل “المغضوب عليهم” عام 2011 للمغربي محسن بصري، وهو يتناول بصفة مباشرة، نظرة عناصر الجماعات المتطرفة للفن، حيث يقوم الإرهابيون في العمل باختطاف مجموعة من الممثلين لقتلهم. وهناك الفيلم التونسي “زهرة حلب” بطولة هند صبري 2016، حيث الأم تجد نفسها في مواجهة جماعة مسلحة جندت ابنها، وتحاول هي استعادته وتحرير أفكاره من سيطرة تلك الجماعات عليها. وأيضًا فيلم “تحقيق في الجنة” 2017 للجزائري مرزاق علواش، وهو يبحث في انتشار التطرف في الجزائر بين الشباب، حيث تخدع الجماعات الشباب بوعود دخول الجنة. وقدّم أيضًا المخرج العراقي أيمن الشطري فيلم “الساعة الخامسة” عرض من خلاله بعدًا منطقيًا وإنسانيًا لانتحاري يعيد النظر في الأفكار التي تمَّ تلقينه إياه قبيل تنفيذ عمليته الإرهابية بقليل.
عالميًا – أيضًا – تمَّ تناول الظاهرة في أفلام كثيرة جدًا، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن كثيرًا منها كانت أفلامًا متجنية وتضع الجميع في سلة واحدة. فبعد ترويج السينما – ومن ورائها السياسة – لمصطلح “الحرب على الإرهاب” بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أصبحت علاقة السينما بالإرهاب موضع شك ومساءلة ملحة، خصوصًا أن الصناعة السينمائية تبدو مطالبة دائمًا بالإجابة عن سؤال كيفية “خدمتها الواقع”، ما يضعها أمام مأزقها الحقيقي: الكم في مواجهة النوعية، والجماهيرية في مواجهة الفن(3).
إذن.. محاربة السينما العربية للإرهاب مرت بأكثر من مرحلة، منها فترة التنميط التي ظلت طويلاً، ثم كانت هناك محاولات جادة ومهمة تصدّى لها كتّاب لديهم وعي أكبر، واختفت موجة سينما الإرهاب تمامًا، ومؤخرًا عادت صحوة تلك النوعية من الأفلام، وأصبح أصحابها لديهم وسائل أكثر إبداعية، ويغلب عليها طابع أساسي أنها غير مباشرة وتقتحم مناطق لم تكن مطروقة، والأمر بالطبع لم يعد مقتصرًا على السينما المصرية فقط، فالسينما العربية بشكل عام أصبحت مهتمة بإنتاج أفلام تحارب الإرهاب.
في العقد الأخير من القرن 21، كانت هناك ما يمكن وصفه بـ”موجة سينما الإرهاب”، بالرغم من معاناة المنطقة العربية من ظاهرة الإرهاب على مدار عقود طويلة يعتقد استمرارها، ولكن الأفلام التي تتناول تلك الظاهرة كانت موسمية جدًا، حيث كنا نجد في مرحلة ما فيضًا من تلك الأفلام، مثل: “الإرهاب، والإرهابي، وانفجار”، ثم فيما بعد نجد صمتًا، وكأن التطرف الديني، أمر كان وانقضى؟
لتعود اليوم من جديد مع استقواء تلك التنظيمات والحركات المتطرفة في الأنحاء، فهل تغير أسلوب محاربة السينما للإرهاب بعد كل تلك السنوات؟
المراجع:
1- الإرهاب في السينما، موقع السينما دوت كوم، تقرير لأحمد العدلي.
2- ” السينمات البديلة.. مكونات ـ تمايزات وآفاق”، للدكتور مالك خوري أستاذ الدراسات السينمائية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، صادر عن دار الجيزويت.
3- “الإرهاب والسينما.. جدلية العلاقة وإمكانات التوظيف”، لمجموعة من المؤلفين عن دار مدارك.