سوليوود (قراءة خاصة)
يحظى مصطلح القوة الناعمة بشعبية كبيرة داخل الأوساط الأكاديمية والجامعية وأخيرًا الشعبية، منذ مدّة لا بأس بها، في دلالة إلى وجود وعي متصاعد على المستويين النخبوي والقاعدي؛ لأهمية هذا المصطلح الذي يعبر عن المضمون الجديد لمفهوم القوة مع نهاية الحرب الباردة؛ نتيجة تحولات مست الأبنية السياسية والمعرفية، وتحول العالم إلى فضاء تواصلي مفتوح، حيث الصور والتمثلات الذهنية، الواقعة في قلب الرهانات المعاصرة للقوة الشاملة، والماضية بوتيرة متسارعة نحو طابع تعددي متكامل العناصر الناعمة والخشنة، بما يمكن توصيفه بـ”حرب غير معلنة”، التي بتواصلها تزداد استعارًا بين القوى الطامحة إلى مواقع طليعية في ساحة الأمم.
ومن هنا يتاح لنا رؤية “السينما” نموذجًا حيويًا وجذابًا وفكرة عامة يتسع نطاق تقبلها كفرضية قادرة على تحقيق المصالح الوطنية بوسائل غير مباشرة في العلاقات مع الكيانات الأخرى في المحيط الإقليمي والدولي، أولى من التورط في أعمال ذات طابع إكراهي، غالبًا ما تكون مطوقة بحسابات استراتيجية وتكتيكية دقيقة، خاصة أننا نحيا في عصر ارتفاع الكلفة العسكرية، وانفتاح الحدود، وتدفق المعلومات والصور، ناهيك عن أبعاد التغيير الاجتماعي الحاصل داخل القوى الكبرى. فالمجتمعات العصرية تركّز على الرفاه والرخاء أكثر من تركيزها على المجد والعظمة.
◄”السينما” في تعريفات القوة الناعمة
وللسينما دور أصيل تستعمله الدولة أو المنظمة، للتأثير بشكل غير مباشر على نظرائها في المجتمع الدولي، بغرض حملهم على تبني وجهة نظرها، وتحقيق مراميها دون الشعور بالطابع الإجباري فيما بينهما من علاقات، وكذلك نحسبها قوى نافذة تسلل منها البنيات المتمركزة أساسًا في المجال الثقافي بكل عناصره من فنون وأنماط حياة وصور ذهنية.
والسينما، في عموم الأمر، من العوامل التي تندرج ضمن الحساب العام للقوة، بقدرتها على تحقيق نوع من النصر المستدام أو الامتياز بعيد المدى، يمر وفق منظري القوة الناعمة عبر طائفة من الأدوات التي تجعل الفاعل المستهدف يلبي المطلوب منه على المدى الطويل، دون أن يشعر بالبعد القسري، الذي قد يكون مجديًا على المدى القصير.
وإدراكًا لدوافع القوة الناعمة، لم ترد القيادة السعودية حلول عام 2018، دون قرار افتتاح دور للسينما، إيمانًا بالحق الإنساني في كتابة التاريخ الوطني على الشاشة الكبيرة، بأسلوب مبسط ولغة سلسة، يعي القاصي والداني مقاصدها ومعانيها، وهو ما يتسق مع مغريات السينما كـ”إمبراطورية” تهيمن على المآثر الثقافية تخوض غمار العالم بقوة ناعمة، وتستثمر في الأجيال الجديدة، وتحفظ موقعها الحقيقي بين دول العالم، لا سيَّما إسهامها في إعادة المجتمع السعودي إلى ما قبل 1979، ولنا في جدار “برلين” مثال، عندما تمَّ اختراقه بالأفلام والسينما قبل زمن طويل من سقوطه عام 1989. ذلك أن المطارق والجرافات ما كانت لتعمل لولا انتقال الصور المبثوثة من الثقافة الغربية الشعبية على مدى سنوات طوال، فاخترقت الجدار قبل أن يسقط.
◄ “السينما” من الترفيه إلى التأثير
فلم يعد مفهوم القوة الناعمة مجرد ترف لفظي لاستيعاب تطور قنوات التبادل الثقافي والفني من أشكاله البدائية إلى أكثر مظاهره التكنولوجية في سياق عولمة التواصل وقابلية الحدود للاختراق. لقد اندمج كبعد أساسي ضمن أدبيات “الجيوبوليتيك المعاصرة”، ما يعني قدرة الدولة على فرض ذاتها كنموذج يحتذى به، وكحامل لواء مبادئ وقيم كونية، وهي من العوامل الأساسية لكل سياسة قوة في الوقت الحالي.
وهو ما لم يكن في الحسبان غالبًا في البدايات، التي تعود على الأحرى إلى ما سجله العالم الإيطالي ليوناردو دافنشي، من ملاحظات ذكرها جيوفاني باتستا في كتابه “السحر الطبيعي”، بشأن الظلالات التي يمكن أن يعكسها ثقب صغير يتسلل منه الضوء إلى داخل حجرة مظلمة. أمَّا البداية الحقيقية لميلاد صناعة السينما، فتعود إلى عام 1895 نتيجة الجمع بين 3 ابتكارات، هي: اللعبة البصرية، والفانوس السحري، والتصوير الفوتوغرافي، وسجل الأخوان “أوجست ولويس لوميير” اختراعهما لأول جهاز يمكنه عرض الصور المتحركة على الشاشة في 13 فبراير 1895، لتتطور عبر العصور آليات وتقنيات التصوير، حتى صارت لصناعة الأفلام عواصم عالمية وعلى رأسها “هوليوود”.
◄”السينما”.. الفن السابع وتوثيق التاريخ
وتمتاز السينما أو الفن السابع – كونها تتألف من ستة أنواع من الفنون – بقدرتها على كتابة تاريخ المجتمعات، وتوثيقها الحقب التاريخية باقتدار، ولا شك أن السينما في السعودية اغتيلت في نهاية السبعينات، إذ كانت تتوزع أكثر من 30 قاعة سينما تجارية في المدن الكبرى تعرض أفلامًا تسجيلية تنتجها شركات النفط في المنطقة الشرقية للتوثيق، إضافة إلى الأفلام القصيرة. وخطت السينما السعودية أولى خطواتها في 1977، حين أنتج أول فيلم سعودي بعنوان «اغتيال مدينة»، للمخرج عبدالله المحيسن، وتناول فيه قصة اغتيال مدينة بيروت والدمار الذي لحقها جراء الحرب، وعُرض الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي وحاز جائزة “نيفرتيتي الذهبية” لأحسن فيلم قصير.
ومن هذه المنطلقات، يجدر بنا التأكيد على أن القوة الناعمة ليست استثمارًا مجانيًا، في مسائل التبادل الثقافي، والإعلامي، لكنها بمثابة “دبلوماسية ثقافية” في المقام الأول، تهدف إلى تصحيح الأفكار لصالح الاتجاهات الوطنية القيمة، ومقاومة التطرف، وغرس روح التسامح والسلام، إضافة إلى ما يمكن استخلاصه بالتدقيق في مناهج الكيانات السياسية التي بنت مكانتها الدولية عبر التاريخ، في تشكيل جيوش قادرة على القيام بالمهام الدفاعية والتوسعية، وعلى بناء اقتصاد ديناميكي ينتج الثروة ويوفر الفوائض في الإنتاج.
وسنجدها تتمتع بإشعاع ثقافي رمزي يحمل على الإعجاب، والانبهار بنموذج وطني مجتمعي متميز، وهو ما تعد السينما من أهم روافده، بقدرتها على تحقيق مبادلات رمزية وتدفقات تخاطب العقول والقلوب، فهي صناعة قادرة كليًا على تحصيل موارد اقتصادية وعوائد مالية ضخمة، ويمكن أن نصنفها من أهم عوامل تنشيط الحركة السياحية، إن تمَّ الأخذ بكل ما يسمح بالنهوض بهذه الصناعة الهامة، وإزالة أي معوقات أمامها، فيما يتعلق بالتصوير في المناطق السياحية، وعلى سبيل المثال تنتج السينما الهندية “بوليوود” نحو ألف فيلم سنويًا يتمُّ تصوير العديد منها في دول أجنبية، مما يمثل فرصة كبيرة لاجتذاب هذا النمط الهام من السياحة وتعزيز حركتها.
ولا شك أن الفن له قوة ناعمة قادرة على أن تنشر الفكر، وتؤثر في وعي الناس، وتدفعهم لتبني هذا الفكر، وقد صارت ثقافة حقوق الإنسان من مقومات التنمية المستدامة في العالم، فالتنمية لم تعد مجرد نمو اقتصادي، وإنما تمكين المواطن من أن يحصل على حقوقه السياسية والمدنية جنبًا إلى جنب مع حقوقه الاقتصادية والاجتماعية مثل حقه بالسكن والتعليم وغيرها من مناحي الحياة. لذا ينبغي الاهتمام بالصناعة السينمائية، التي باتت بدورها من أهم المؤثرات الثقافية في المجتمعات.
المراجع:
– جوزيف ناي، حدود القوة الأميركية، مجلد 4، فصلية العلوم السياسية 2002، ص .117
– https://www.egaliteetreconciliation.fr/L-Empire-invisible-Soft-Power-et-domination-culturelle-7999.html
– السينما.. قوة ناعمة تضع السعودية على خريطة العالم/ 11 ديسمبر 2017/ عكاظ.
– Pascal lorot, François thual: la géopolitique. Montchrestien. Paris. 1997. 158 pages. P 103.
– http://lite.almasryalyoum.com/lists/57385/
– رئيس هيئة تنشيط السياحة المصري – الأهرام. http://www.ahram.org.eg/NewsQ/595742.aspx
– “مقاربات في النقد الفني”، هويدا صالح، دار بتانة 2017، ط1، ص